| الكاتب : خيرت فان فايما/ الصحفي نت, بتاريخ : 03-08-2008 |
ذكر تقرير جديد لمنظمة رقابة حقوق الإنسان "هيومان رايتس ووتش" إن الخادمات الآسيويات يتعرضن للاستغلال في السعودية. حسب المنظمة فإن مصير هؤلاء الخادمات تتحكم به أهواء ورغبات المخدمين، الذين يحددون لهن أوقات العمل، وأوقات النوم والراحة، كما يحددون لهن نوع الطعام الذي يأكلنه، والأوقات التي يسمح لهن فيها بمكالمة عوائلهن.
لا يقتصر سوء أوضاع العمال الآسيويين على السعودية. يعاني ملايين العمال والعاملات من الهند وباكستان وبنغلادش والفلبين من أوضاع مشابهة في دول الخليج الغنية. هذا ما أكده لنا أيضاً، عدد من المغتربين الهولنديين العاملين في تلك الدول.
"يمكن القول إنه نوع من العبودية الحديثة"، تقول ماريانا، التي فضلت عدم الكشف عن هويتها كاملة. تعيش ماريانا منذ سنة في سلطنة عمان، حيث يعمل زوجها في إحدى شركات البترول. "عليك أن تكون حذراً في كلامك هنا، من السهل أن تقوم السلطات بإبعادك." تصطدم ماريانا يومياً بحالات تكشف لها عن الظروف التي يعيش ويعمل بها العمال الآسيويون في عمان. "يعملون لساعات طويلة جداً، طوال أيام الأسبوع تقريباً. ليس لديهم سوى يوم الجمعة بعد الظهر، حيث يستطيعون التسوق. غالباً لا يكسبون أكثر من عشرين ريالاً في الشهر، أي ما يعادل ستين يورو تقريباً. ولا يسمح لهم سوى مرة واحدة كل عامين بالسفر إلى بلدانهم الأصلية."
50 درجة مئوية
تقول ماريانا إن هؤلاء العمال يتعرضون فعلاً لاستنزاف كامل لطاقاتهم: "ألاحظ كيف يقومون بأعمال ثقيلة، لا تـُنجز عادة إلا بواسطة المكائن. لكن اليد العاملة هنا رخيصة جداً، لذلك فإن أرباب العمل يكلفون هندياً، بإنجاز ما يجب أن تنجزه الماكنة." إضافة إلى ذلك، فإن المخدمين لا يحسبون أي حساب لارتفاع درجات الحرارة هنا، حسب قول ماريانا "نحن الآن في ذروة الصيف. تتجاوز درجات الحرارة 45 درجة مئوية، كما إن درجة الرطوبة مرتفعة جداً. لا أحد يستطيع الخروج إلى الشارع، لكن المهاجرين الذين يعملون في البناء يستمرون في عملهم. يمنع القانون، رسمياً، العمل في الخارج إذا تجاوزت درجة الحرارة 50 مئوية، لكني غالباً ما ألاحظ أن درجات الحرارة تتجاوز هذا الحاجز بكثير، وأرى العمال مستمرين في عملهم."
تحسن
يعمل هندريك يان دي كلاوفر في شركة لإزالة الطمي وتعميق مياه الملاحة، ويقيم في دبي منذ 18 عاماً. يؤكد دي كلاوفر ما تحكي عنه ماريانا: "هكذا كانت الأمور في دبي أيضاً، حتى وقت قريب. حتى بدأ العمال الأجانب يتخلصون قليلاً من خوفهم، ويطالبون بحقوقهم. خرجوا إلى الشوارع، بسيقان ترتجف من الخوف، ليطالبوا بتحسين أوضاعهم."
قبل عامين أصدرت "هيومان رايتس ووتش" تقريراً دق أجراس الإنذار حول ظروف العمل في مشاريع البناء في دبي. أشار التقرير إلى أن الأجور منخفضة إلى حد فضيع، وأن ظروف العمل شديدة الخطورة، وأن المخدمين يحتفظون بجوازات سفر العمال ليمنعوهم من "الهروب". لكن هندريك يان دي كلاوفر يؤكد أن هناك تحسناً ملحوظاً جرى في الآونة الأخيرة. "قبل حوالي ثلاثة أعوام صدرت قوانين لتحسين أوضاع العمال الأجانب. يمنع القانون مثلاً العمل بين الثانية عشرة والثالثة ظهراً. وعينت الدولة مئات المفتشين لمراقبة تطبيق هذا القانون بشكل دقيق. رب العمل الذي يخالف هذا القانون تـُسحب منه رخصة استيراد العمالة."
هناك أيضاً، وفقاً لأقوال دي كلاوفر، رقابة على الشركات للتأكد من حصول العمال الآسيويين بالفعل على أجورهم. "في الماضي كانت الأمور مختلفة، كان العمال يتعاقدون وفقاً لأجور مثبتة على الورق، لكنهم في الواقع غالباً ما يتقاضون أقل منها بكثير. لا أحد يراقب ذلك، إذ أن الأجور كانت تدفع نقداً. حالياً يتسلم العمال رواتبهم عبر البنوك."
تفكير استراتيجي
وفقاً لهندريك يان دي كلاوفر، فإن تحسن ظروف العمل لم يكن نتيجة أفكار تقدمية لدى السلطات: "لم تتخذ السلطات هذه الإجراءات، لأنها أصبحت فجأة مغرمة بهؤلاء العمال. إنها قضية تفكير استراتيجي. دبي تدرك أن مخزونها من النفط سينفد في المستقبل، وهي تبحث لذلك عن بدائل عبر اجتذاب المستثمرين ورؤوس الأموال، وهي تأتي غالباً من الغرب. هذه الطموحات لن تتحقق بالطبع ما دامت هناك سمعة سيئة، وما دامت الإمارة موضوعة على القائمة السوداء، من قبل المنظمات."
صراع داخلي
تجد ماريانا صعوبة كبيرة في التعامل مع الواقع العماني الذي تعيش فيه. "أشعر بصراع داخلي حقيقي، إذ أنني عاجزة عن فعل أي شيء. أحاول دائماً أن أتعامل مع الآسيويين بأفضل طريقة ممكنة. أن أحييهم بلطف وأتطلع في وجوههم، بدلاً من المرور غير المكترث بهم. قبل فترة كنت في مركز للتسوق. جاءني العامل الهندي المكلف بإرجاع عربات التسوق إلى أماكنها، راكضاً، يريد مساعدتي في حمل مشترياتي، فأعطيته ريالاً. في البداية رفض قبوله، لكن كان سعيداً به بالطبع. بهذه الطريقة أحاول أن أكون لطيفة معهم وأساعدهم قدر الإمكان."
صورة العربي عن نفسه
يتوقع هندريك يان دي كلاوفر أن عدم المساواة سيظل قائماً، حتى في دبي "يشعر العربي أنه أكبر قيمة من الأوربي أو الآسيوي، بغض النظر عمن يكون هذا العربي، وماذا يعمل، وماذا يتقن. عليك أن تتعامل مع هذا الواقع إذا كنت راغباً بالعمل في دبي."
صورة العربي عن نفسه، لها تأثيرها بالطبع على طريقة تعامله من العمال الأجانب. يقول دي كلاوفر "أعرف عن قرب طبيعة النقاش الدائر حول كيفية التعامل مع العمال الآسيويين. هل تدفع للآسيوي مثلما تدفع للأوربي؟ "بالطبع لا" سيجيبك العربي، "بالطبع نعم"، سيقول الأوربي. أما أنا فأختار الحل الوسط. يرسل العامل الآسيوي النقود التي يكسبها إلى أسرته التي تعيش في بلد رخيص جداً. أما الأوربي فيأمل من عمله أن يتدبر أموره في أوربا الغالية. لهذا أجد الاختلاف في الأجور أمراً مبرراً."
المستقبل
تأمل ماريانا أن تتحسن الأحوال في عمان أيضاً: "يمكن ملاحظة تحول بطيء جداً. في صحيفة للجالية البريطانية هنا ارتفعت مؤخراً أصوات تدعو إلى بناء جسر مشاة خاص لعمال البناء الآسيويين، الذين يضطرون إلى عبور طريق سريعة مزدحمة من ست مسارات، للوصل إلى موقع البناء. هناك أيضاً ععدم من الأثرياء الهنود الذين يقومون بمبادرات لمساعدة بني جلدتهم. يتفق الجميع على أن الأمور يجب أن تتغير."
حسب رأي المقاول الهولندي دي كلاوفر فإن دبي تلعب الآن دوراً طليعياً في منطقة الخليج، ومن المتوقع أن تتأثر بها الدول والإمارات الأخرى. "بعد سنوات قليلة ستشرّع البحرين وقطر وعـُمان قوانين مشابهة لقوانين دبي. وربما، بعد زمن أطول بكثير، ستلتحق السعودية بالركب."
|