الكاتب : صالح البيضاني - نقلاً عن العرب أونلاين - الصحفي نت, بتاريخ : 21-10-2008
عرف الناقد والشاعراليمنى على ربيع الخميسى بمواقفه النقدية الجريئة التى لاتعرف الدبلوماسية ومن أبرز المواقف المعروفة للخميسى هجومه اللاذع على شعراء قصيدة النثر فى ملتقى صنعاء للشعراء الشباب الذى أقيم قبل حوالى عامين وضم العشرات من كتاب قصيدة النثر..
وفى هذا الحوار نسترجع أطرافا من معركة الخميسى مع شعراء قصيدة النثر التى يقول أنه لا يعترف بها أصلا وفيه أيضا حديث عن المنطلقات التى انطلق منها.. وعن خفايا الصراع الذى خلفته ورقته النقدية المثيرة للجدل حول قصيدة النثر.
* فجرت "قنبلة نقدية" قبل عامين فى أكبر تجمع لشعراء قصيدة النثر.. هل كنت تتعمد ذلك أم أنك وجدتها فرصة سانحة للإدلاء بقناعات قديمة تجاه قصيدة النثر؟.
- كلّ فسر الأمر على طريقته، وما قلته لا يعدو أن يكون رأيا اقتنعت به بعد تأمل، وجهرت به بصراحة واضحة، وأنا لم اتقصّد كتاب قصيدة النثر عنوة ولكننى تطرقت إلى كتاب قصيدة العمود وكتاب قصيدة التفعيلة أيضا، لكن "الحساسية الجديدة" لدى اصحاب النثر جعلت صدورهم أضيق من خرم إبرة تجاه الرأي، مع انهم يدعون التقدمية والحرية الواسعة الابواب.
وإن شئت الحقيقة، أنا لا أعتبر ما يسمونه بقصيدة النثر شعرا ولا قصيدة، وقناعتى ان الجميل من هذا النوع من الكتابة هو نثر فيه شعرية، على غرار انماط النثر الفنى الآخر، وهذا ليس عيبا، فهناك من النثر ما هو اجمل من الشعر، وانا لا احجر على هؤلاء الكتاب لكى لا يكتبوا لكنى أدون عليهم عدة أمور من بينها ان كثيرين منهم عاجزون معرفيا وفنيا، ويتطفلون على هذا النوع من الكتابة ليصبحوا شعراء، ليس هذا وحسب، بل وينفون الشعر عن غيرهم ممن يكتبون عمودا أو تفعيلة، ويتهمونه بالرجعية والتخلف.
ومن الكلام المكرر الذى رددته قبلهم عصابة مجلة "شعرا" اضف إلى ذلك أن من بينهم من لا يحسن اللغة ولا النحو ولا قواعد الكتابة ولا صياغة الجملة العربية، لأنهم متأثرون بالترجمات من لغات أخرى إلى العربية، ثم إنهم يبحثون عن وهم الحداثة فى غير مكانه، منفصلين عن سياقهم الثقافى والاجتماعى والتاريخي، فهم منبتوا الجذور على كافة الأصعدة، وهم كذلك يجهلون أن هذه الكتابة النثرية ظهرت فى الغرب من أصول فلسفية وفكرية من أهمها: العدمية، العبثية، تحطيم المقدس، وتفتيت المركز، والمروق عن الثوابت الفنية والعقائدية والعرفية، وإذا كانوا يعطون لانفسهم الحق فى تبنى افكار جاك دريدا، ورواد الفلسفة العدمية، فلماذا يحجرون علينا أن نبنى أفكار بعض رواد النقد والفكر فى الغرب من أمثال جان كوهين، أم أن دريدا مثلا تقدمى أوروبى وأوهين متخلف اوروبي.
* يقولون إنهم يكتبون بطريقة مغايرة، ذات شعرية جديدة.. ما رأيك أنت؟
- يا عزيزى لا مغايرة ولا شعرية، هذا وهم كبير يعيشون فيه ويجمله لهم عدد من ادعياء النقد على انه اكتشاف عظيم وعبقرية فذة وهو فى الحقيقة ضحك على الذقون وعلى الذوق الأدبي.
تجديد وهدم
* هل أنت ضد الابتكار والتجديد إذا؟
-لا، هذا كلام غير صحيح، هناك فرق بين التجديد والهدم.. بين الالغاء والاضافة، هؤلاء النثريون هدموا مقومات الشعرية فى الشعر العربى ولم يضيفوا إليها، والمفترض الاضافة وليس العكس، فالتجديد كان سمة لازمة للشعر العربى على مدار العصور، من خلال التركيز اكثر على واحد من مقومات الشعرية فى كل عصر بعينه، ومن ثم فالتجديد لا بد ان يكون منبثقا من عمق الثقافة العربية، وإذا عجزت عن التجديد بهذا الشرط فهذا عيب فيك أنت وليس فى الثقافة العربية، ألم يكن ابو تمام مجددا؟..
ألم يكن أبو نواس مجددا؟.. ألم يكن البردونى مجددا؟.. ألم يكن المقالح مجددا؟، ثم إنى أسألك بماذا جاء كتّاب النثر ولم يأت به من قبلهم؟ الاحتفاء بالهامشى واليومى موجود عند شعراء كتبوا العمود والتفعيلة، المفارقة الشعرية موجودة منذ العصر الجاهلي، مرورا بعصور الشعر الأخرى، وخذ المتنبى مثلا، بل إنها وجدت حتى فى النثر العربي، وأساليب التكرار والتعديد موجودة فى العمود والتفعيلة، حتى المضامين التى يتطرقون إليها بكثرة مثل التصادم مع المقدس الدينى أو الاجتماعي، أو الاخلاقى غير جديدة، ولهم أن يقرأوا ابن سكرة وأبا نواس مثلا، كل ما يمكن ان قوله من تجديد فى نثرهم احتمله الشعر العربى قديمه وحديثه.
انظر إلى المجددين بحق أمثال المتنبى قديما والبردونى حديثا.. وهذا الأخير يكفى فقط للتدليل على ان كل اساليب الحداثة الفنية التعبيرية والتخيلية موجودة فى شعره.. ماذا بقى إذن لديهم سوى كثير من الادعاء والوهم والفراغ.
رداءة أدبية
* هل تعتقد ان ردود الفعل كانت مناسبة وفى محلها أم أنها انفعالات لا تصب فى خانة النقد؟.
كما يقال الغريق يتشبث بقشة، ولأن كلمة الصدق احيانا تذبح وتجرح فمن الطبيعى ان تحدث ردود افعال، لكن اسوأ ما فى الأمر أن تأخذ ردة الفعل منحى يجافى الحقيقة، فمثلا قالوا إننى كفّرت واحدا من كتاب النثر لأننى استشهدت له بنص كان - من وجهة نظرى - خاليا من مقومات الشعرية، كما افهمها، وتهكمت على هذا النوع وسخرت منه، لأنه كلام عادى نثرى تقريرى وليس لأنه يحمل معنى يصطدم بالعرف الاجتماعى والاخلاقى لأن هذه المسألة حسمت لصالح الابداع منذ ما يزيد عن الف سنة عند النقاد القدامى.
وكما علمت فقد عكس بعضهم الحقيقة عبر وسائل النشر الالكترونية والورقية محليا وعربيا وزعموا أننى كفرت صاحب النص، وجعلوا منه ضحية أنا جلادها الجديد، وأن فكرنا سلفى ورجعي.. تخيل أننى كنت استشهدت بأكثر من عشرين نموذجا لهذه الرداءة الادبية كانت معى لم يتح لى أن أذكرها.. ماذا سيقولون إذن؟..
أما النقاد الذين ظنوا أننى اقصدهم حينما ذكرت النفاق النقدى والمجاملاتى والتكسبى والادعاء النقدى أيضا ومحاولة الظهور التى أتاحت للرداءة الأدبية أن تنمو وتصبح أعشابا ضارة وسامة فلا تعليق لى عليهم مع أنى أحلم أيضا بأن تصحوا الضمائر الساكتة عن هذا الغثاء لتقول كلمتها وتقول للمحسن أحسنت ولغيره ما يستحق وحسب.
رؤية وتشكيل لغوي
* يقال إن بعض الشعراء الشباب يسعى لتحويل النص الشعرى إلى خطبة سياسية.. هل تتفق مع ذلك؟.
هؤلاء يبحثون عن الشهرة والأضواء من المكان الخطأ، والشعر لم يكن ولن يكون بيانا سياسيا، وانتهاكا لقيم المجتمع ومعتقداته، الشعر رؤية وتشكيل لغوي، يقول ولا يقول، يلمح ولا يصرح، والشاعر لن يغير العالم بشعره، لكنه يشكل عالمه الشعرى من خلال اللغة الشعرية التى هى لغة عليا على رأى جان كوهين.
قناعات
* هل ستواصل معركتك التى بدأتها فى ملتقى صنعاء للشعراء الشباب فى منتصف العام 2006؟، أم تعتبر أنك قد قلت كل ما لديك؟.
- لسنا فى حرب مع أحد، وآراؤنا ربما تكون غير صحيحة، لكنها تظل آراءنا التى نرى أنها هى الأقرب إلى ما نؤمن به وسنظل نعبر عنها كل وقت وحين ولا مانع من أن تتغير هذه القناعات فى الرأي، لكن فى الوقت الراهن هذا رأيي، قد لا يقبله أحد لكنى على استعداد لشرح الأسس التى انطلقت منها فى إطار الحقل المعرفى النقدى المتعلق بالفنون الأدبية، وما قلته فى ملتقى صنعاء كان للنتيجة التى توصلت إليها فقط لأن المقام لم يكن يسمح بسرد المقدمات التى انطلقت منها وبالتأكيد فلدينا الكثير مما لم نقله لكن سنقوله فى حينه.